La pensée politique du Président Ben Ali Le Changement :" Le changement du 7 novembre n'est pas un changement de personnes ou de façade. Loin de là. C'est un changement qui rend à notre peuple, à nos élites, à notre jeunesse la capacité d'entreprendre et de créer, qui laisse augurer de l'édification de nos institutions constitutionnelles sur des bases fermes à l'abri de la déliquescence et de l'immobilisme, qui ouvre des horizons à une vie politique réellement démocratique et évoluée. "Discours du Président Zine El Abidine Ben Ali, le 26 février 1988. La démocratie est la responsabilité de tous :" La démocratie ne saurait être du seul ressort des forces politiques, des organisations nationales et des associations, mais concerne tous citoyens et citoyennes, dans chaque partie du territoire national. " Discours du Président Ben Ali à l'occasion, le 7 novembre 1991.L'Etat de droit et des institutions :" L'attachement des Tunisiens et des Tunisiennes aux règles de l'Etat de droit et aux valeurs républicaines, constitue l'une des manifestations concrètes de la maturité qui caractérise notre peuple et du consensus qui unit ses différentes composantes autour des constantes nationales." Discours du Président Zine El Abidine Ben Ali, le 1er juin 1999. La culture des droits de l'Homme :" L'édifice démocratique, la métamorphose radicale de la société ne peuvent s'accomplir que par l'enracinement de la culture des droits de l'homme, le renforcement des mécanismes qui en sont les vecteurs, le développement et la diversification des institutions qui en assurent la défense et la protection et la progression vers la réalisation des objectifs augustes et des nobles buts qui sont les leurs, vouées qu'elles sont au service de l'homme dans toutes les dimensions de son humanité."Discours du Président Zine El Abidine Ben Ali, le 2 novembre 1992.
وفي هذا السياق تستوقفنا مقولة للرئيس التونسي زين العابدين بن علي التي جاء فيها " أن واجب الحفاظ على الاستقلال لا يقل مسؤوليّة عن نيله، كما أن شرف العمل على دعمه وتعزيز مقوماته يضاهي شرف النضال والكفاح من أجل الحصول عليه".وفي هذا التأكيد على أهمية معركة الحفاظ على الاستقلال وتوازيها من حيث المرتبة والمسؤولية مع معارك نيله، إشارة ضمنيّة إلى أن مستلزمات تعزيز مقومات الاستقلال راهنا تختلف عن أدوات المعركة الأولى وتفوقها من حيث المواصفات والمستويات بالنظر إلى عاصفة التحولات التي يشهدها العالم والتي استفحلت معها ظاهرة التدخل الخارجي في عديد البلدان، مما يفقد الأدوات والوسائل التقليدية فاعليتها في صيانة الاستقلال الوطني وحماية سيادة الشعوب والدول.ولا شك أن مثل هذه الرؤية ترتقي بمفهوم الاستقلال من كونه جلاء للمحتل إلى آفاق مستجدة تجد ترجمتها في مشروع مجتمعي متكامل الأبعاد، يستمد من معركة الاستقلال الأولى روحها ومن الواقع الكوني الجديد وما يفرزه من تحديات غير مسبوقة، مفاهيمه وآليات تجسيمه على أرض الواقع.وانطلاقا من هذا الوعي الاستشرافي والإدراك العميق عمل الخطاب السياسي في تونس منذ تغيير السابع من نوفمبر 1987 على استنفار كل الإمكانات الوطنية البشرية والمادية وحسن توظيفها من أجل تدعيم ركائز الاستقلال بمعناه الحضاري الشامل وذلك بالسعي إلى تمكين البلاد من أسباب المناعة ومستلزمات البناء والحياة.وتؤكد إنجازات حركة التغيير أن شمولية المقاربة التنموية قد ارتقت باستقلال البلاد من دائرة اختزاله في شعار للدولة وعَلَم وحدود ترابية باتّجاه أفق أرحب تَمَثّل في مشروع مجتمعي جديد يجعل من الاستقلال معركة مستمرة ومتجددة تطال الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية مما يجعل من التغيير حركة لا تتوقف ضد الوهن الداخلي، وضدّ عناصر الاختراق للنسيج الوطني، أي ضدّ رواسب التخلف بأبعادها المختلفة وضدّ كل ما قد يعوق انخراط البلاد في سيرورة الحضارة البشرية والمساهمة في بناء المستقبل الإنساني والنظام الكوني الجديد حتى لا يكون الاستقلال إمكانية مهدورة.إن "الزمان الحاضر والزمان الماضي- يقول الشاعر الإنجليزي ت.اس.إليوت- هما سوية حاضران في الزمان المستقبل، كما أن الزمان المستقبل مُحتوى في الزمان الماضي".. وهذه القاعدة التي تتعدد الشواهد عليها ونجد مدلولاتها في مقولات كثيرة أخرى مشابهة، نجد صداها ومرتكزاتها في كل قراءة لحركة التغيير في تونس.إن التغيير جاء استجابة لنداء المستقبل وذاكرة له، فلا إنكار فيه للسابق ولا جحود بل بناء عليه وصيانة لمنجزه. ومنذ البيان الأول كان بن علي صوتا للمستقبل لا ينكر الحاضر ولا يتنكر للماضي بل يصالح هذا مع ذاك ليبني دولة الغد. وكان السبيل إلى ذلك مشروع مجتمعي متكامل المقومات، متناسق الأبعاد، متجدد الأهداف والطموحات.وهذه الحقبة الجديدة من تاريخ تونس، حقبة التغيير، هي ثمرة خيبة، خيبة وإحباط من مستقبل كان يفترض أن ينجز ومن حاضر كان يجب أن يكون متجها للمستقبل لا منكفئا على مكتسبات الماضي.ولا مناص من الاعتراف، ونحن نحيي الذكرى الخمسين لاستقلال تونس، بأن مأزق دولة الاستقلال، ورغم المكاسب التي حقّقتها، والذي تبدى في الثمانينات من القرن الماضي إنما يكشف عن قصور وعجز في صياغة المقاربة الأسلم واعتماد الآليات الأنجع للحفاظ على ديناميكية النهوض والنموّ وعلى استقرار المجتمع وبالتالي الاستجابة للشروط الجديدة والمعاصرة التي تكفل صيانة الاستقلال ودعم سيادة الوطن والحيلولة دون كل ما قد يهدد مكاسبه ومنجزه في الداخل والخارج.وقد كان منتصف السبعينات من القرن الماضي عنوان ردّة سياسية انطوت على مخاطر مستقبلية بانحراف عملية التنمية عن جوهرها، أي فقدانها التوازن المطلوب باعتبارها عملية تحرير حضاري شامل سياسي واقتصادي واجتماعي، وتحولها إلى عملية ترميم جزئي بعيدة كل البعد عن الغايات المنشودة. مع الإشارة إلى أن التنمية السياسية ظلّت الغائب الأكبر في كل مراحل بناء دولة الاستقلال وتحقيق التنمية إلى حدود الثمانينات حيث جاء التطور السياسي ردا تكتيكيا وليس خيارا جوهريا، ردّ الهدف منه كان إنقاذ النظام وليس إنقاذ الدولة والمجتمع والوطن.وعلى هذا فإن المقاربة التي اعتمدتها حركة التغيير والتي اتسمت بالشمولية واعتماد مبدإ التنمية الشاملة، جاءت إنقاذا للوطن من أزمته وإنقاذا للدولة من وهنها وترهلها ومن ثمة إنقاذ الاستقلال والسيادة من بوادر هيمنة خارجية كانت تلوح في الأفق وتقف على مشارف الوطن في انتظار اللحظة المناسبة.ولا شكّ أن من أهم مرتكزات هذه المقاربة الشاملة، تلازم البعدين الاقتصادي والاجتماعي، واعتبار حقوق الإنسان كلا لا يتجزأ، والتأكيد على أن التنمية السياسية لا تنفصل عن التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبشرية، فالكل في ترابط متين، وفي خط تصاعدي متوازٍ، لا مفاضلة فيه بين كل هذه الأبعاد بل لا مفاضلة حتى بين مكونات البعد الواحد انطلاقا من إدراك عميق وحرص كبير على تجسيم مقولة إنه لا تنمية بدون ديمقراطية ولا ديمقراطية بدون تنمية.وفي ضوء هذه القاعدة يمكننا الجزم بأن حركة التغيير قد أمسكت بمستلزمات المواجهة الفعلية مع أسئلة اللحظة التاريخية وتداعيات المتغيرات في المحيط الدولي ووضعت يدها على الطريق السالكة لدعم السيادة واستقلالية الإرادة وحماية منجز ضحّت من أجله أجيال متعاقبة ألا وهو الاستقلال.ولا شك إن نجاح التجربة، وقطع أشواط كبيرة على درب تحقيق التنمية الشاملة، والتوفق في الوصول إلى تنظيم مجتمعي قائم على التعددية والوفاق والحوار والسلم الاجتماعي، تنظيم يوحّد التونسيين على اختلاف مشاربهم الفكرية والسياسية حول مشروع يتبنّونه عن وعي وإرادة حرّة، ويشاركون في صياغته تصورا وإنجازا، قد أكسب المجتمع المدني مزيدا من الحيوية المطلوبة لتحقيق الأهداف التنموية الأساسية، وجسّد كل معاني المواطنة ورسّخ ثقافتها والأخلاقيات التي تقتضيها.وكل هذا إلى جانب عوامل أخرى لا يتسع المجال لاستعراضها، قد أعلى من شأن الولاء للوطن، وحصّن الجبهة الداخلية، وحال دون اختراقها من القوى الأجنبية وأفرغ ضغوطها من كل فاعلية بما عزّز مكاسب الاستقلال ودعم مقوماته، وحمّى السيادة الوطنية والقرار الوطني.وهذا التحصين لم يقتصر على الأبعاد السياسية والاقتصادية والتنموية عامة بل شمل أيضا الأبعاد الثقافية والحضارية وذلك من أجل إعادة صياغة مفاهيم الاستقلال والسيادة وإكسابها أبعادا مستقبلية وأمّن مستلزمات تفعيلها مواكبة للمستجدات والتحولات العالمية.فإذا ما كان الاستقلال بالنسبة للتونسيين في أهم أبعاده الحضارية تأكيدا لسيادة الإرادة الوطنية واستقلالها وتحررها، فإنه يمثل أيضا- بل خاصة- انتصارا للهوية ضدّ محاولات النيل منها ومن ركائزها وخصائصها المميزة مثل اللغة والدين ومقومات الفكر والشخصية الوطنية والقومية.وقد وضعت حركة التحرّر الوطني وقبلها حركة الإصلاح الحفاظ على الهوية الوطنية ودعمها على رأس اهتماماتها ومشاغلها الفكرية، ثم جاء الاستقلال ليعطي الهوية شرعيتها الدستورية حيث أكد الدستور التونسي في أولى مواده أن تونس لغتها العربية ودينها الإسلام. هذا بالإضافة إلى الشعور التلقائي الذي عبّر من خلاله الشعب التونسي عن تمسّكه بهويته العربية والإسلامية.وبما أن التغيير هو الوريث الشرعي لحركات الإصلاح والتحرر ولمكاسب دولة الاستقلال، فقد تأسّس بيانه الأول على مصالحة الشعب التونسي مع ذاته وتاريخه وذاكرته ورموزه الوطنية أي مع هويته.ونحن لا نغالي إن قلنا إن الهوية هي المفردة الأساسية التي قادت عملية التغيير، والأرضية التي انطلق منها ليرسم برامجه ويصون مقومات الشخصية. وهي هوية في تواصل مع الماضي ومستنفرة لإمكانيات الحاضر لتجعل منها جسورا مع المستقبل.فالهوية في مرجعية التغيير هي مرادف للصيرورة، ونقيض للثبات والجمود، لذلك عمل بن علي على بناء رؤية واعية للعلاقة مع الماضي واستثماره وتوظيفه من أجل المستقبل دون أن يكون المستقبل مجرد استعادة أو استعارة لصورة الماضي أو مجرد استحضار فولكلوري للذاكرة وإنما نسيج يمنح المجتمع القدرة على الامتداد والانطلاق باتجاه المستقبل، وعلى التجاوز باتجاه واقع وغد مغاير تتّسع فيه مساحة التحرر من قيود الماضي وأساسا من اللّحظات المظلمة فيه.إن حاضر الأمة عند بن علي من نتاج تاريخها الحافز، ومن هنا يصبح حرصه على إعادة الاعتبار للهوية بمثابة تجذير للذاكرة بروح الحداثة والإضافة، وشكلا من أشكال المقاومة لنزعة التنميط الكوني الجارية الآن، ودرءا لمحاولات طمس الخصوصيات الوطنية والحضارية والثقافية باسم كونية وعولمة زائفة.وعلى هذا الأساس فقد أكسبت مصالحة تونس مع هويتها الحضارية البلاد قدرة على مجابهة التحديات بإنسان تجذرت فيه روح الانتماء للجذور وللعصر ومكتسباته، إنسان أثبت قدراته على استيعاب المعارف الجديدة والتعاطي الفاعل مع عاصفة المتغيرات تحصينا للذات وانتصارا لثوابتها دون انغلاق أو تحجر.وإذا كان من تعريف جديد للاستقلال في ظلّ دولة التغيير وفي هذا العالم المتغيّر، فإنه يمكننا إيجازه في كون الاستقلال هو تحرير للإرادة، وتنوير للعقول وتنمية لروح الابتكار والمبادرة، وانحياز للحداثة واعتزاز بالجذور والأصول.وأخيرا، إن التاريخ يكتب دائما في الحاضر ويوجه إلى المستقبل، وإن مصداقية أي منظومة فكرية وسياسية لا تُكتسب إلا إذا ما وضعناها على محك الواقع والتجربة. عندها نكتشف، لا فقط مصداقيتها ومسؤوليتها ونبلها، وإنما نَغْنم ثمارها ونمْتنّ لزارعها.< بكم في موقع أفكار

Thursday, 26 July 2007

الجمهورية في الفكر العربي الإسلامي : تونس مثالا




الأستاذ قيس سعيّد ،كلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس
قد تصمت القصور أحيانا فيتحدث التاريخ، وقد تتحدث الحوادث فيه فتلتحق الذكرى بالذكرى وتلتحم التواريخ الرموز.
قد تصمت القصور ويصمت معها التاريخ فيتحول الصمت بدوره إلى رمز يشير إلى النسيان ويومئ بالبنان إلى من آل بهم الأمر إلى الدثور.
وكما يحصل أن يصمت التاريخ عن بعض العروش الآثلة، يحصل أن تتحول بعض التحولات فيه إلى مجرد مناسبات تذكّر بحدوثها ولا تتجاوز مراسم الإحياء والتذكير، في حين أن التحوّل حقيق بأكثر من ذلك وحريّ بالوقوف عند آثاره على مختلف الأصعدة بالدرس والتحليل.
ومن المناسبات، في تونس، الجديرة بهذا المقام، وليست أقلها، إعلان الجمهورية. فقد جاء هذا الشكل الجديد من النظام بعد أن مهدت له جملة من الحوادث فكان لا بد له أن يكون وجاء فمهّد بدوره لجملة من الحوادث والآثار.
جاءت الجمهورية فصارت الرعية مواطنين ومواطنات وحل الوطن مكان الديار وغاب التفريق بين الخاصة والجمهور.
أعلنت الجمهورية وألحق الإعلان عنها بالدستور وأحدث لها عيد إحتفاءًا بذكراها ووسام تقديرا لها وإكبارا ومفتي ووكيل ومجلس وقصر وشعار.
وإذا كان من اليسير نسبيا تعريف الجمهورية من جهة أصل المصطلح وتطوره إلى مفهوم في الغرب قبل انتشاره في بقية أنحاء العالم، وإذا كان من الممكن الوقوف عند أهم العناصر المكونة لها ومختلف الآثار المترتبة عنها، فإنه من غير اليسير في المقابل التعرف على أصل لفظ الجمهورية في اللغة العربية وعلى الفترة التي بدأ فيها تداوله ليشير إلى نفس المعاني التي يشير إليها اليوم.
ولاشك في أن الوقوف عند العلامة اللغوية قبل الوقوف عند المفهوم القانوني مفيد في هذا المستوى إذ من الدال يمكن توليد مجموعة من الدلالات واستنباط منظومة فكرية كاملة تختزل ما تراكم فيها من معان تفيد في البحث القانوني وفي غيره من المجالات لأن الأجسام الصامتة، كما يقول الجاحظ، "ناطقة من جهة الدلالة ومعربة من جهة صحة الشهادة على أن الذي فيها من التدبير والحكمة مخبر لمن استخبره وناطق لمن استنطقه".
والجمهورية، لغة، مشتقة من فعل جمهر، وجَمْهَرَ الشيء جمعه والقبر جمع عليه التراب ولم يطيّنه، والقوم اجتمعوا جمهورا. وهي مؤنثة الجمهوري الذي يعني الشراب المسكر والنبيذ الذي أتت عليه ثلاث سنوات أو ما بقي نصفه من عصير العنب بعد طبخه، قيل له ذلك لأن جمهور الناس، أي أكثرهم، يستعملونه.
فلفظ الجمهورية لم تكن له علاقة بشكل الحكم ولكنه يحمل بين طياته معنى العدد الكبير من الناس ويتناقض من هذا الجانب مع فكرة الخاصة أو الصفوة أو العدد القليل. وليس صدفة أن يتم الاختيار عند العرب على هذا اللفظ للدلالة على الشكل الجمهوري للأنظمة السياسية بعد أن كان إسما لنوع من أنواع النبيذ.
ويبدو أن لفظ الجمهورية لم يدخل اللغة العربية إلا بصفة متأخرة عن طريق اللغة التركية. فما يعرف بالجمهورية اليوم كان يشار إليه قبل القرن الثامن عشر، بالمدينة كعنوان كتاب أبي نصر الفارابي الذي نقل جمهورية أفلاطون إلى اللغة العربية تحت عنوان "آراء أهل المدينة الفاضلة" أو بالجماعة المتفاوتة المراتب كما وصف القلقشندي حكومة جنوة أو المشيخة إشارة إلى الجمهورية الفرنسية كما ورد ذلك عند بعض المترجمين أو الرحالة كالطهطاوي الذي عرّف من وصفهم بكبار الجمهورية الفرنسية بأنهم مشائخ وجمهور.
وامتزج في لفظ الجمهورية في البداية معنيان، يشير الأول إلى الديمقراطية ويدل الثاني على شكل نظام الحكم المختلف عن الشكل الملكي وذلك قبل أن تنفصل الديمقراطية عن الجمهورية ليشار إليها بنفس اللفظ تقريبا الذي ظهرت به عند الإغريق.
فالجمهورية، في اللغة العربية تختزن على الأقل معنى الجمهور وتدل على نظام يفترض فيه التعبير عن رأي العدد الأكبر من الناس. وبذلك تختلف من جهة دلالاتها اللغوية عن Res publica في اللغة اللاتينية التي تعني فقط الشيء العمومي قبل أن يتصل معناها بالدولة عموما ثم بشكل معين من أنظمة الحكم.
ولا يمكن أن يتنزل الحديث عن فكرة الجمهورية في تونس إلا في هذا السياق التاريخي الذي تلتقي فيه رواسب الماضي بما أضاف إليها الحاضر من معان ودلالات. لذلك يتجه التوقف أولا عند جذور الفكرة (أوّلا) قبل الوصول إلى تجسيدها بإعلان 25 جويلية 1957 (ثانيا).
أوّلا ـ الجذور :
يفترض البحث عن جذور عدد من المفاهيم والمؤسسات في الدول العربية الإسلامية الكثير من الحذر والاحتياط، إذ جرى عدد قليل من الباحثين على إسقاط بعض المفاهيم الغربية على التاريخ العربي الإسلامي على واقع يقوم، في أصله، على منظومة فكرية مختلفة لا أثر فيها للمفاهيم أو المؤسسات المسقطة عليه. والتأكيد على وجودها دليل عندهم على أن الإسلام عرفها قبل الغرب بقرون وبرهان على أن هذا الغرب هو الذي اقتبس من الإسلام ولا يمثل عندهم موضوع اقتباس.
ومثلت الخلافة، في هذا الإطار، جمهورية عند البعض لأنها لا تقوم على توارث الحكم كما هو الشأن في الأنظمة الملكية بل على ضرورة عقد البيعة للإمام بالاختيار، في حين أن اختيار الخليفة مقتصر على أهل الحل والعقد ويمكن أن تنعقد بيعته بخمسة أو بثلاثة أو حتى بواحد فقط كما ذهب في ذلك بعض الفقهاء. فنظام الحكم العربي الإسلامي، كما قال طه حسين، "لم يكن ملكيا، ولم يكن يؤذي النبي وصاحبيه شيء كما كان يؤذيهم أن يظهر لهم الملك، وهو لم يكن جمهوريا، فلم نعرف في نظم الجمهورية نظاما يتيح للرئيس المنتخب أن يرقى إلى الحكم فلا ينزله عنه إلا الموت، ولم يكن قيصريا بالمعنى الذي عرفه الرومان، فلم يكن الجيش هو الذي يختار الخلفاء فهو إذن نظام عربي خالص لم يسبق العرب إليه، ثم لم يقلّدوا بعد ذلك فيه."
لكن الحذر الذي يقتضيه البحث عن جذور فكرة الجمهورية في تونس لا يقف حائلا أمام استقصاء بعض ملامحها، وإن كانت قليلة، في الفكر العربـي الإسلامي (أ) ثم في تونس (ب) كما ظهرت عند بعض المفكرين المصلحين أو كما أبرزتها ردود الفعل عند إعلان قيام أنظمة جمهورية في بعض الدول الإسلامية.
أ ـ في الفكر العربي الإسلامي :
تتبوأ المعتزلة مكانة متميزة في الفكر العربي الإسلامي في عدد كبير من المسائل الفقهية والسياسية، ومن بينها شكل النظام السياسي، وليس من الصعب الوقوف عند بعض ملامح فكرة الجمهورية بالرغم من اختلاف الإطار واختلاف الأسس التي يقوم عليها اختيار الحكام. فأبو بكر الأصم، أحد أئمة المعتزلة، رأى أن الإمامة لا تنعقد إلا بإجماع الأمة عن بكرة أبيهم، حتى أنه أعتبر اليوم، في إحدى الدول العربية، أول من بشر بالفكر الجماهيري، لا بالجمهورية فحسب.
كما ذهبت المرجئة في نفس هذا الاتجاه وقالت الكرامية كذلك أن الإمامة تثبت بإجماع الأمة دون النص والتعيين.
ونفس فكرة الإجماع هذه، بالرغم من غياب صور التعبير عنها وغياب الحلول في حالة عدم تحقيقها، واضحة عند غيلان الدمشقي الذي رفض البيعة الصورية التي يعقدها نفر قليل لأحد الأمراء في عهد الأمويين واعتبر أنها حق لكل من كان قائما بالكتاب والسنة ولا تثبت أيضا إلا بإجماع الأمة.
ويتحدث ابن رشد في الأندلس عن أنواع السياسات بعد تصنيفها إلى أربع وهي السياسة الجماعية وسياسة الخسّة وسياسة جودة التسلط وسياسة الوحدانية ليؤكد أن أفضلها الجماعية وهي التي تكون الرئاسة فيها بالاتفاق والبخت أي الانتخاب إذ أنه ليس في هذه المدينة لأحد على أحد فضل.
ولكن فكرة الجمهورية لم تظهر بوضوح في الفكر العربي الإسلامي إلا حين اتصل بعض الرحالة العرب بالغرب واكتشفوا فيه هذا الشكل من الأنظمة السياسية. ففي "تخليص الابريز في تلخيص باريس" يشير الطهطاوي إلى "انقسام الفرنسيين إلى طائفتين تحاول إحداها، على عكس الأخرى، أن يكون الحكم بالكلية للرعية، ولكن، لما كانت الرعية لا تصلح على حد قوله أن تكون حاكمة ومحكومة، وجب أن توكّل عنها من تختاره منها للحكم، وهذا هو حكم الجمهورية."
غير أن الطهطاوي لا يفصح عن رأيه في هذا النوع من الحكم ويكتفي بوصف الطائفة التي تدعو إلى إضعاف الملك وإقامة الجمهورية بالعظيمة.
ويشترك الطهطاوي مع عدد من الرحالة العرب في عدم الإفصاح عن موقفه من الجمهورية. وليس غريبا أن يكون مرد ذلك التحسب لردود الفعل على موقف يتناقض يومئذ مع المواقف الرسمية وغير الرسمية السائدة في الدول العربية والإسلامية. فالشدياق بدوره، الذي سمّى الثورة الفرنسية فتنة وشغبا واستاء من عتوّ ولاة أمور فرنسا وشططهم لحملهم الناس على خلع الطاعة لهم ومن الفرنسيين عموما لتبديل حكومتهم القاهرة بالحكومة الجمهورية اعتقادا منهم أن الشر كله جاء من الملكية، لم يُخف حسنات الثورة الفرنسية والمنافع التي حصلت للفرنسيين منها.
ولم يشذ عن هذا الاتجاه السائد لدى الجيل الأول من الرحالة العرب سوى المسيحي فرانسيس مراّش الذي لم يتردد في إبراز إعجابه بفرنسا وبالحرية التي يتمتع بها فيها الفرنسيون.
فقد جاء في مقدمة كتابه "رحلة إلى باريس" : "فكم سرور واندهاش للأعين عندما ترى هذه الأمة الفرنساوية رافلة بأذيال الحرية الكاملة بدون خشية من التعثر بأشواك سيادة بربرية أو سلطة ضاربة... لابسة ثياب الدين والدنيا بدون جزع من أفواه باصقة أو مخالب خازقة ولا ذعر من سطوات شريعة مارقة".
ولم تلبث فكرة الجمهورية أن تحولت بعد ذلك إلى مطلب نادى بتحقيقه الكثيرون خاصة إثر إلغاء الخلافة العثمانية، من ذلك مثلا خاطب به معروف الرصافي الأمة العربية قائلا :

يا أمّة رقدت فطال رقادها *** هبيّ وفي أمر الملوك تأملي
أيكون ظل الله تاركا حكمه *** المنصوص في آي الكتاب المنزل
أم هل يكون خليفة لرسوله *** من حاد عن هدي النبي المرسل
كم جاء من ملك دهاك بجوره *** ولواك عن قصد السبيل الأفضل
...
ان الحكومة وهي جمهورية *** كشفت عَمَايَة قلب كل مضلل
سارت إلى نضج العباد بسيرة *** أبدت لهم حمق الزمان الأوّل.

ولكن فكرة الجمهورية لم تلق دائما القبول والترحيب، من ذلك ما كتبه عبد الكريم الخطابي عن النقد الذي واجهه من زعماء القبائل ومشائخ الطّرق، فقد أوضح قائلا: "كنّا أنا وأخي أطلقنا على بلادنا اسم جمهورية الريف منذ سنة 1923، وطبعنا في فاس أوراقا للحكومة عليها هذا الاسم للدلالة على أنّنا دولة مؤلّفة من قبائل مستقلّة متحالفة لا دولة نيابيّة ذات برلمان منتخب. أمّا الجمهورية فلم يكن ليتخّذ معناها الحقيقي إلاّ بعد مدّة من الزمن لأنّ جميع الشعوب تحتاج حين تأليفها إلى حكومة حازمة وسلطة قويّة ونظام قومي متين. ولكن لسوء الحظّ لم يفهمني غير أفراد قلائل يعدّون على أصابع اليدين.
وبعيدا عن المغرب الأقصى، لم يخف محمّد إقبال بعض الاحتراز من فكرتي الانتخاب والجمهورية قائلا :
بدا السرّ في قوله من أريب *** وما كان قبله يعلن
نظـــام الجماهير حكم به *** تعدّ العباد ولا توزن.
فالعدد عند إقبال ليس الأساس، بل المقياس هو الوزن العلمي، وإن كان للعدد مقام فهو ليس في المقام الأوّل.
ولكن فكرة الجمهورية، برغم كلّ التحفظات حولها، ما فتئت في الانتشار بحمولتها الغربية على الأقلّ في مستوى شكل النظام، ومن بين أوّل الأحزاب الجمهورية في البلاد العربية الحقيقة بالذكر الحزب الجمهوري السّوداني الذي أنشأه محمود محمّد طه في 26 أكتوبر 1945 ودعا مع مجموعة من رفاقه إلى قيام حكم جمهوري في استقلال تامّ عن مصر ودون أي تحالف مع التاج البريطاني.
وقد تجسمت فكرة الجمهورية خارج تونس في بعض الدول العربية الإسلامية في فترات متفاوتة قبل إلغاء الخلافة العثمانية وإثرها. من ذلك ما ذكره الطهطاوي عن قيام جمهورية في الصعيد المصري في أواسط القرن الثامن عشر بقيادة شيخ من كبار الملتزمين. ولعل أهمّ ما يلفت الانتباه في هذه الجمهورية أن الطهطاوي ذكرها حين تحدّث عن الجمهورية الفرنسية أي وهو عالم بخصائص الحكم الجمهوري.
ومن الأمثلة الأخرى عن الجمهوريات العربية الإسلامية جمهورية طرابلس التي تمّ الإعلان عن قيامها في شهر نوفمبر 1918 بقيادة سليمان باشا الباروني والجمهورية الآذارية التي أنشئت في شهر ماي من السنة نفسها قبل أن يتبعها في ذلك عدد من الدول الأخرى التابعة للإمبراطورية الروسية حين ضعفت السلطة المركزية تحت وطأة الثورة البلشفية. وفي المغرب الأقصى أعلن عبد الكريم الخطابي عن قيام دولة الجمهورية الريفية يوم 18 جانفي 1923 قبل أن يقع الإعلان يوم 29 أكتوبر من نفس السنة عن الجمهورية التركية.
إن الغرض من التعرض إلى جذور فكرة الجمهورية في الفكر العربي الإسلامي هو الوقوف عند أهم الاتجاهات التي سادت هذا الفكر، وهي اتجاهات كان لها بالتأكيد عميق الأثر في تونس خاصة في فترة كان رجال الإصلاح يتطلعون فيها للتبديل والتغيير.
ب ـ في تونس :
اشترك المصلحون التونسيون في نهاية القرن التاسع عشر مع سائر المصلحين المسلمين في الدعوة إلى الإصلاح، ولكنها دعوة إلى الرجوع لقواعد الدين ودعوة في ذات الوقت إلى الاستلهام من الغرب استلهاما يكون متّسقا مع أحكام الإسلام.
وليس غريبا ألاّ تحتل فكرة الجمهورية في هذا الإطار المتسم عموما بالحذر الشديد حيزا يعكس حقيقة إعجاب هؤلاء المصلحين بها.
فابن أبي الضياف، على سبيل المثال، لا يتردد في ذكر نفع الحكم الجمهوري للعامة والخاصة على السواء، ولكنه لا يتردد في الآن ذاته في التأكيد أن قواعد الملّة الإسلامية لا تقتضي هذا الصنف من الحكم. فبعد تعريفه لما يسمّيه بالملك الجمهوري بقوله: "أن محصّل هذا الصنف، أن الناس يقدّمون رجلا منهم باختيارهم، يلبي سياستهم ومصالحهم، لمدة معينة، ولمّا تتم يخلفه غيره، باختيارهم أيضا وهلمّ جرّا. وقد يستحسنون سيرة أحد، فيطلبون منه زيارة مدة ولا يجعلون لهذا المقدّم شيئا من فخامة الملك وشاراته، بل هو كواحد منهم ينفذ ما يتفق عليه الرأي من أهل المشورة. ولهم في ذلك قوانين يحترمونها احترام الشرائع المقدسة ويقفون عند حدها". بعد هذا التعريف مباشرة، يعود ابن أبي الضياف ليذكّر بوجوب الإمامة في الإسلام" وهو منصب يأثم المسلمون إذا تركوه".
ولا يبدو خير الدين باشا أكثر جرأة من صاحب الإتحاف، بل على العكس يكتفي بالإشارة إلى انتقال بعض الممالك الأوروبية إلى جمهوريات دون إبراز أي موقف على الإطلاق.
ولم تطرح مسألة الجمهورية بحدة في تونس إلا إثر إلغاء الخلافة العثمانية في حين أن صدى إعلان دولة الجمهورية الريفية بالريف الغربي لم يتجاوز الفرح والمساندة للإنتصارات العسكرية التي حققها عبد الكريم الخطابي.
وقد انقسم التونسيون بين مناصر للإصلاحات التي أدخلها كمال أتاتورك وبين مؤيد للخلافة. ففي نفس الوقت الذي تأسست فيه تقريبا لجنة الخلافة برئاسة أحمد توفيق المدني لم يتردد عدد آخر من التونسيين في مساندة الإصلاحات الجديدة بتركيا. وقد ظهر هذا الاتجاه حتى داخل جامع الزيتونة نفسه.
ولم تطرح مسألة الجمهورية مرة أخرى بوضوح إلا عند عزل الباي محمد المنصف. ومن المفارقات أن يكون المنصف باي نفسه هو الذي وعد أحد المؤرخين الفرنسيين الذين تحولوا لزيارته في منفاه بمدينة "بو" الفرنسية بأنه لو عاد إلى تونس، فهو الذي سيتولّى بنفسه إعلان الجمهورية. وقد أكد نفس هذا الموقف أحد النوّاب بالمجلس القومي التأسيسي يوم 25 جويلية 1957.
ولعله من المفيد الإشارة، على صعيد آخر، إلى أن تونس كانت عرفت في القرن الثامن عشر نوعا من الحكم الجمهوري. ففي معاهدة سلم أبرمتها تونس مع فرنسا بتاريخ الأوّل من جويلية 1728، ورد أن الطرف التونسي هو جمهورية تونس. وأشير إلى تونس كجمهورية في المعاهدة المذكورة في ثلاث مناسبات.والسبب الواضح في اعتبار تونس جمهورية في القرن السابع عشر على وجه الخصوص يعود إلى أن الداي كان منتخبا من الديوان ولم يكن الحكم وراثيا فيها. ويؤكد مثل هذا التفسير وقبل هذا التاريخ بكثير، أحد مبعوثي مدينة البندقية إلى تونس سنة 1625 الذي رأى فيها يومئذ "جمهورية شعبية تمارس ضربا من الديمقراطية العسكرية".
ومن القرن السابع عشر لم تتجسم الفكرة إلا في أواسط القرن العشرين.
ثانيا ـ التجسيم :
مهدّت لإعلان الجمهورية في 25 جويلية 1957 جملة من النصوص وجاء قرار المجلس القومي التأسيسي يوم 25 جويلية 1957 (ب) تتويجا لمرحلة أولى من الإعداد (أ).
أ ـ الإعداد :
بدأت مرحلة الإعداد بصفة واضحة بداية من تعيين الرئيس بورقيبة وزيرا أكبر في 15 أفريل 1956. ولعل نصّ الأمرين العليّين الصادرين بتاريخ 11 و15 أفريل 1956 كافيان لوحدهما للإشارة إلى الحوادث القادمات، فقد ورد فيها : "عيّن منقذ الأمة وقائد الشعب المجاهد الأكبر الحبيب بورقيبة وزيرا أكبر رئيسا للحكومة ووزيرا للخارجية ووزيرا للدفاع الوطني"، يبدو كأن النص ليس نصّ أمرين عليّين، فالذي عيّن شكلا هو الباي والمُعيّن هو القائد والمجاهد والمنقذ للأمّة بما في ذلك الباي نفسه. أما قبل هذا التاريخ فإن الرئيس بورقيبة، لم يتوان عن التأكيد على تعلق الشعب التونسي بالملك كما ورد ذلك في تصريحه يوم 1 جوان 1955، أو كما جاء ذلك أيضا في التحية التي رفعها مؤتمر الحزب الحرّ الدّستوري المنعقد بصفاقس يوم 20 نوفمبر 1955 إثر اختتام أعماله. وقد جاء في هذه التحية أن المؤتمر القومي للحزب الحرّ الدّستوري "يرفع إلى جلالتكم بمناسبة إنتهاء أعماله أسمى آيات التعظيم والإخلاص لعرشكم المفدّى ويتمنى أن تتم في عهد جلالتكم أماني الشعب في تحقيق نظام ملكي دستوري ديمقراطي وفقا لخطاب عيد العرش في 15 ماي 1951 ونسأل الله أن يحفظكم ويطيل بقاءكم."
قد يكون المؤتمر قد سأل الله أن يحفظ العرش الحسيني ولكن الله لم يستجب على كل حال لدعاء المؤتمرين. وتتالت منذ سنة 1956 النصوص لتقليص اختصاصات الباي والحد من الإمتيازات التي تتمتع بها العائلة الحسينية. ففي 3 أوت 1956 صدر أمر عليّ لتنقيح الأمر الصادر في 21 سبتمبر 1955 والمتعلق بتنظيم السلط العمومية تنظيما مؤقتا ليسحب من الباي السلطة الترتيبية وليترك له فقط تعيين الآغة وتعيين الحكام من الدرجة الأولى.
وفي 26 افريل 1956 صدر أمر عليّ يتعلّق بتحوير إدارة الملك الخاص للباي ودائرته السنية ليضع هذه الإدارة تحت تصرّف متصرّف للحكومة التونسية يشرف عليه وزير المال.
وفي 3 ماي 1956 صدر أمر عليّ آخر يتعلّق بضبط حقوق وواجبات أعضاء الأسرة الحسينية المالكة ليبطل، كما ينص على ذلك الفصل الثالث منه، جميع الامتيازات والإعفاءات والحصانات مهما كان نوعها والمعترف بها قبل صدور هذا الأمر لأفراد العائلة الحسينية.
وبنفس هذا التاريخ صدر أمر عليّ آخر يتعلق بإدارة تراث الباي الخاص ودائرته السنية والملك الخاص للدولة المخصّص للتاج ويقضي بوضعها تحت تصرف وكيل يعيّن من بين متصرفي الحكومة التونسية، ولهذا الوكيل الحق في إدارة الأملاك المنقولة وغير المنقولة التابعة للباي والتصرف فيها إيجابا وسلبا.
وألحقت في النهاية، العسّة المصونة للباي بالجيش التونسي عملا بأحكام الأمر المؤرخ في 30 جوان 1956 والمتعلق بإحداث جيش تونسي.
وهكذا، لم يبق للباي ولأفراد العائلة الحسينية سوى قصر أو بضعة قصور وتاج لا حقّ له حتى في التصرف فيه أو كما قال أحد المؤرخين "صار النظام الملوكي بتونس هيكلا أجوف كمثل الثمرة التي قضت أمدها الطبيعي ثم جفّت ويبست فتراها تنحّت عن غصنها بدون كلفة وتكاد لا تسمع لسقوطها دويا".
وسقط العرش الحسيني دون دوي يوم 25 جويلية 1957 لتدوّي مائة طلقة مدفعية في فضاء تونس احتفالا بمولد الجمهورية.
ب ـ الإعلان :
جاء إعلان الجمهورية بعد تمهيد ولم يكن يخفى على أحد أنه آت حتى على الباي نفسه. فالصحف التونسية والفرنسية كانت بدأت الحديث قبل أسبوع على الأقل عن التغيير القادم لشكل النظام في تونس.
وتمهيدا لاجتماع المجلس القومي التأسيسي الذي حدد ليوم الخميس 25 جويلية 1957، عقد الديوان السياسي للحزب الحر الدّستوري يوم 22 من نفس الشهر اجتماعا يبدو أنه هو الذي تم فيه إعداد مختلف الترتيبات لإعلان الجمهورية بما في ذلك نص الإعلان وطريقة الاقتراع عليه، إذ جاء في صحيفة العمل الصادرة يوم 25 جويلية أنه من المتوقع أن يشارك السيدان رئيس الحكومة ونائبه في المناقشة بصفتيهما النيابية والحزبية وأن توقف الجلسة بعد الحوصلة التي سيقوم بها زعيم الأمة ليتمكن المجلس من تحرير لائحة تهدف إلى إلغاء النظام الملكي وتكليف رئيس الحكومة بصفة مؤقتة برئاسة الدولة وبمباشرة جميع الاختصاصات التي كانت ممنوحة للملك بما فيها إمضاء الدستور الذي سيسنه المجلس التأسيسي والذي سيضع الدواليب القارة للدولة.
إن ما ورد بصحيفة العمل قريب من جهة صياغته من نص الإعلان ذاته، هذا النص الذي لم يقرأ إلا في الساعة السادسة مساء. لذلك فإن إمكانية إعداده قبل يوم الإعلان أمر ترجّحه هذه الصياغة المتقاربة.
كما أن طريقة الاقتراع التي تم الاختيار عليها كانت محددة قبل يوم الإعلان وقد ورد في نفس الصحيفة أن الاقتراع العلني الفردي هو شكل من أشكال الاقتراع المتبع عادة في المجالس النيابية في الظروف الرهيبة والمواقف الحاسمة حتى يعرف الشعب حقيقة كل نائب لم ينتخبه إلا لتبليغ إرادته وللعمل في مصلحته وحتى يتمكن من مناقشة الحساب. فحسب صحيفة العمل لم يكن للنواب إما التصويت الايجابي على اللائحة وإما الحساب.
لا شكّ أنّ المقصود بالحساب هو حساب السياسة والتاريخ حيث يحاسب المصوّت بعد فرز أصوات المصوّتين.

0 comments:

Action campagne"Ben Ali, 20 ans cela ne suffit pas"

Action" Ben Ali, 20 ans cela ne suffit pas afin que la Tunisie s'éleve du statut de pays émergent à celui de pays avancés"

La volonté du peuple

« La volonté du peuple prime sur toute autre volonté. C'est le peuple qui est la source de la souveraineté et des pouvoirs. C'est de sa volonté que nous nous inspirons dans nos orientations, nos choix et les réformes que nous entreprenons, par fidélité à la responsabilité dont nous sommes investis, par loyauté envers la Tunisie et par attachement aux valeurs républicaines ». Le Président Zine El Abidine Ben Ali